عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

156

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

وذبح لهما بعض دجاجه ، وباعت أمّه غزلا لها في علف دوابهما ، فلما أصبحا عرض أبو علي على الفتى دراهم كثيرة فأبى من قبولها ، ثم لمّا كان بعد ذلك بزمان ، وصل الفتى إلى القيروان مخاصما في فرخين من البقر ، فعرفه الفقيه أبو علي ولم يعرفه الفتى ، فدفع له أبو علي ثمن الفرخين ثم قال له : شاركني ، قال له : نعم فاشترى له أبو علي ثورين لم ير أحسن منهما بإحدى وأربعين مثقالا ذهبا ، وأعطاه زريعة قمح وشعير ، ما طلب وأوصى عليه من ينظر في أمور مكانه ، فلما كان حين الفراغ من الدرس أتى الفتى إلى أبي علي فقال : قد أصبنا مائتي قفيز قمحا وشعيرا ، وكان ذلك بإثر عام خمسة وتسعين وثلاثمائة ، سنة الشّدّة العظيمة التي قدمنا ذكرها فقال له أبو علي بعد أن عرفه بنفسه الزرع : كلّه لك ، وما جعلت اسمي مع اسمك في الشّركة إلا سترا عليك ، ولم يأخذ له حبّة واحدة . وحكي أيضا أنّ أبا علي قاسم الفقيه أبا عبد اللّه الخواص في شدة سنة تسعين في جميع ما عنده من طعام وكسوة وفاكهة ، حتى الفستق ونحوه ، وأعطاه مائة دينار ذهبا ، وقد كان أحمد بن عوانة الفقيه نسخ للفقيه أبي علي جزءا من كلام الأشعري يساوي أربعة دراهم ، فدفع له أجرة ذلك فلم يقبل . ثم إن أحمد بن عوانة ذهب إلى تونس في زيارة المؤدب محرز فأتى إلى القيروان وقد أصابه رمد شديد في شدّة الحرّ ، فأنزله أبو علي معه في الدّار واستدعى الطبيب ابن أعين يداوي عينيه فداواه حتى برئ ، وكان يجري عليه النّفقة ، فلما أراد السفر أعطاه رزمة فيها جامع ابن وهب يساوي نحو ثلاثمائة درهم ، فسار به إلى باديته وكان يجري النفقة على جماعة من أهل العلم والطلب ، ويحضر مائدته جماعة من العلماء والطلبة ويصلهم بالدراهم الكثيرة ، وكان إذا سافر أعدّ أنواعا من الأطعمة وصنوف الحلواء ، فيفرق ذلك على أهل رفقته ، وكانت هديته تصل أقصى أهل محلّته وتعم جيرانه . وحكي : أيضا أنه اشتهى مرّة بالمنستير تنّا « 1 » مقلوا ، فاشترى حيّة فيها أزيد من قنطارين وقلّى ذلك كلّه وفرّقه على المرابطين بالقصر ، ولم يأكل منه إلا أكلة واحدة ، وأعطى ليحيى بن عبد اللّه العمري الوافد على القيروان مالا جليلا ، وفضائله كثيرة ، ختم اللّه أعماله بالشهادة دخل إليه قوم من المشارقة ، والشرط مع محمد بن لصوية عامل محمد بن حسن على القيروان بعد صلاة العصر يوم الخميس الثاني عشر

--> ( 1 ) التنين جمع تنانين ، وهو الحوت ، ويطلق أيضا على الحيّة العظيمة .